القسم الأول: الإنسان في عالمنا المعاصر
5- العملية: لقد غدا الإنسان المعاصر عملياً بشكل واضح: فهو محمول نحو الفعل، عمل-إنتاج-شغل.. فالحركة هي التي تسحره وتتشربه كلياً. ولم يعد يجد وقتا للتفكير والتأمل بل لم يعد يهمه ذلك مطلقا. حتى عندما يفكر ويتأمل ويدرس فهذا دوماً يكون موجهاً نحو نتيجة عملية. "إن التحول من النظرية البحتة إلى نظرية العمل أمرٌ أكيد وثابت في الفكر المعاصر بشكل عام. انه ليس فكراً تأملياً، بل فكرٌ عامل. العقل لا يتوجه ناحية الإدراك والفهم، بل يتجه إلى الإنتاج. لم يعد يجتهد ليلتقط الجوهر الثابت للواقع، بل اصبح يريد أن يعرف ليحوِّل.. الفكر المعاصر هو فكر للإنتاج والعمل.
إنه عملي: وكلمة الواقع أصبحت مرادفة للحركة. فالإنسان لم يعد يصحح أفكاره ويراجع نفسه مقارنةً مع الأفكار والحقائق الأبدية الثابتة بل أصبح يقارن أفكاره بحسب فعلها ونتائجها. "الإنسان اليوم غدا نفعياً، انه يقبل كل ما يُعرَض عليه فقط إذا اتضحت له المنفعة والفائدة لذاته ولمجتمعه. وكل ما لا يحقق ذلك يرميه، حتى ولو كان له ماضٍ طويل أو قصير من المجد".
6- التاريخية: الإنسان المعاصر إنسان تاريخي، إن عنده حِسّ كبير بالتاريخ فالواقع بالنسبة له هو في حركة مستمرة ولا يوجد شيء ثابت أو نهائي أو دائم، وهو يسعى إلى الاختصار دوما اكثر. حتى أن وجوده نفسه بحالة تحول مستمر.
كان الفكر الكلاسيكي ينظر للإنسان على انه كائن "طبيعي"، مجهز بمزايا غير متغيرة وراسخة مثل الطبيعة. أمّا الفكر المعاصر فقد رفض هذا المفهوم وأظهر الدور الجوهري الذي تلعبه التاريخية بين العناصر التي تشكل كيان الإنسان.. فالتاريخية ليست فقط من المعطيات الموضوعية، بل أصبحت بنية معارفية، شكل من أشكال فهم الواقع.
ولقد نتج عن هذا الوعي التاريخي ضرورة إعادة المناقشة والبحث في أي مذهب وحكمة أو بنية سابقة.. ومناقشة أي محاولة لتحديد ما هي الثوابت على مَرّ الزمن وما الذي يبقى في تغير مستمر.
7- رفض العلوم المجردة: نتيجة لما سبق، يقف الإنسان المعاصر ضد كل العلوم المجردة والمبادئ الميتافيزيقية (الميتافيزيقيا علم ما وراء الطبيعة، شعبة من الفلسفة تشمل علم الوجود وعلم أصل الكون وتكوينه). فبعد أن أزاح كانط Kant الميتافيزيقيا من الفكر النظري وكومط Comte ربطها بفترة الإنسانية التي كانت قاصرا، وأيضا منذ أن استطاع العلم الحصول على شرح وحل للمشاكل التي كانت سابقا تختبئ خلف علم ما وراء الطبيعة، لم يعد الإنسان يرى علم الميتافيزيقيا علم العلوم بل أهملها وأنكرها ووضع نفسه بين أيدي العلم ووضع ذاته في خدمته.
الإنسان المعاصر ينظر فقط إلى النتائج: انه واقعي، وعملي. والعلم ونتائجه الذائعة بهرته وسلبته. بينما الميتافيزيقيا بالعكس، لا يمكنها أن تعطي نتائج، ولا تُنتِج أشياء للاستهلاك، ولا تضمن رخاء العيش. لذلك فهو يَعتبر أنها معرفة لا أهمية لها. وحتى لا يمكنها أن تكون مسلية، لأنها مليئة بأشياء غامضة وغير مفهومة..